الإثنين 10 ديسمبر 2018

ماروك بلوس

الرئيسية / الرأي / عبد المنعم شـمراح يكتب..أزمة التشريع بالمغرب : التشغيل بموجب عقود في المنظومة التربوية نموذجا

عبد المنعم شـمراح يكتب..أزمة التشريع بالمغرب : التشغيل بموجب عقود في المنظومة التربوية نموذجا

في اتجاه تنفيذ توصيات البنك الدولي رسمت الدولة المغربية سياسة جديدة في قطاع الوظيفة العمومية ،حيث تم إصدار المرسوم رقم 2.15.770 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية ، وذلك بتاريخ 9 غشت 2016 ، الذي أتى تطبيقا للفصل السادس مكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 ، حسب ما تم تغييره وتتميمه بموجب القانون رقم 50.05 الصادر بتاريخ 19 ماي 2011 .
وفي هذا الإطار تم إصدار مذكرتين ،الأولى أصدرت من طرف وزير التربية الوطنية والتكوين المهني رقم 16.866 الصادرة في فاتح نونبر 2016 والمتعلقة بالتوظيف بموجب عقود من طرف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ، أما الثانية رقمها 17/060 أصدرها وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي ، بتاريخ 28 أبريل 2017 والمتعلقة أيضا بالتوظيف بموجب عقود من طرف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين .
إن المتأمل في المرسوم والمذكرتين المشار إليهم سلفا قد يلاحظ بعض معالم الإفلاس التشريعي كما سنحاول بسطه من خلال مقالتنا هاته .
لعل أهم ما يعكس ملامح التخبط التشريعي هو أن مقتضيات الفصل السادس مكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية ، حسب ما تم تعديله وتتميمه بمقتضى القانون رقم 50.05 الصادر بتاريخ 19 ماي 2011، الذي جاء لكي يشرعن حق السلطة التنفيدية في تحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية ، يعد مقتضى غير دستوري ، حيث تم خرق مقتضيات الفصل 71 من دستور 2011 الذي أسند الإختصاص الحصري للقانون أي للبرلمان في التشريع في مجال الوظيفة العمومية.
كما أن مؤشرات الإفلاس والخواء التشريعي بالمنظومة التربوية ، تتجلى في كون المذكرات التي أشرنا لهم سابقا ، قد أفرزت نوعا من التشرذم على المستوى المفاهيمي ، بل أظهرت تناقضا في صياغتها، بحيث نجد هذه المذكرات تتحدث عن “التوظيف بموجب عقود ” وكذا “عقود التوظيف” ، بينما الفصل السادس مكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية يتحدث فقط عن “التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية” وشتان بين مفهوم “التوظيف” ومفهوم “التشغيل” . فبأي منطق قانوني توسل به إذن مهندسو المذكرات الوزارية ، حتى أصبحنا نتحدث عن “التوظيف بالتعاقد” و”عقود التوظيف” ، وهو الأمر الذي يشكل خرقا لمقتضيات المادة الثانية من النظام الأساسي للوظيفة العمومية ، التي تنص على أنه : “يعد موظفا كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة “. وبالتالي ، فإن دمج مفهومين ينتميان إلى حقلين مختلفين ومتباينين ( قانون الوظيفة العمومية و مدونة الشغل) ، يعتبر هتكا واستخفافا بالمقتضيات التشريعية .
هذا وإن مضامين المذكرة الوزارية الموجهة إلى مديري الأكاديميات الجهوية للتربية واالتكوين ، والمتعلقة بالتشغيل بموجب عقود ، تعد خرقا سافرا لمقتضيات القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل ، وذلك عبر تبنيها للعقود المحددة المدة “سنتان” ، وهو ما يشكل نزوحا عن الأصل، الذي هو أن عقد الشغل غير محدد المدة هو الأصل كما جاء في المادة 16 من مدونة الشغل ، أما عقود الشغل محددة المدة فقد حصرها المشرع في حالات محددة على سبيل الحصر، إذ نصت المادة 16 من مدونة الشغل على أنه : “تنحصر حالات إبرام عقد الشغل محدد المدة في ما يلي : إحلال أجيرمحل أجير أخر في حالة توقف عقد شغل هذا الأخير ، ما لم يكن التوقف ناتجا عن الإضراب؛ ازدياد نشاط المقاولة بكيفية مؤقتة ؛ إذا كان الشغل ذا طبيعة موسمية . يمكن إبرام عقد الشغل محدد المدة في بعض القطاعات والحالات الإستثنائية التي تحدد بموجب نص تنظيمي بعد استشارة المنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا ،أو بمقتضى اتفاقية شغل جماعية”.
هكذا يمكن القول إن مهندسي المذكرة الوزارية لم يتوفقو عندما جعلوا التشغيل في المنظومة التربوية يتم وفق عقود محددة المدة، كما الحال في مقاولات تعمل بشكل مؤقت أو ضيعات فلاحية ذات نشاط موسمي ، مع العلم أن المدرسة سيمتها الاستمرارية و صناعة كفاءات المستقبل.
إن التوجهات الجديدة للدولة في مجال الوظيفة العمومية عن طريق تبني سياسة التشغيل بموجب عقود في الادارات العمومية ،جاءت لتفعيل توصيات البنك الدولي و ذلك برفع يدها على كتلة الأجور، كما أنها جاءت لإحتواء الأزمة التي تخيم على الصندوق المغربى للتقاعد خاصة نظام المعاشات المدنية ، وذلك من خلال إخضاع هؤلاء المتعاقين العاملين بالادارات العمومية للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد بدل الصندوق المغربى للتقاعد .
و في الأخير يمكن القول بأن تطبيق المرسوم رقم 2.15.770 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية ، في المنظومة التربوية ، من شأنه أن يعمق أزمة التعليم ببلادنا.